محمد متولي الشعراوي

9327

تفسير الشعراوي

الإيثار : تفضيل شيء على شيء في مجال متساوٍ تقول : آثرتُ فلاناً على فلان ، وهما في منزلة واحدة ، أو أن معك شيئاً ليس معك غيره ، ثم جاءك فقير فآثرْتَهُ على نفسك . ومنه قوله تعالى : { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [ الحشر : 9 ] . فقولهم : { لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا مِنَ البينات والذي فَطَرَنَا . . . } [ طه : 72 ] لأنه قال { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى } [ طه : 71 ] أنا أمْ موسى ؟ فالمعركة في نظره مع موسى ، فأرادوا أنْ يُواجهوه بهذه الحقيقة التي اتضحتْ لهم جميعاً ، وهي أن المعركة ليستْ مع موسى ، بل مع آيات الله البينات التي أُرسِل بها موسى ، ولن نُفضّلك على آيات الله التي جاءتْنا واضحة بيِّنة . ولما رأى السحرة معجزة العصا كانوا هم أكثَر القوم إيماناً ، وقد وَضُحَ عُمْق إيمانهم لما قالوا : { آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى } [ طه : 70 ] ولم يقولوا : آمنا بموسى وهارون ، إذن : فإيمانهم صحيح صادق من أول وَهْلة . وقد تعرضنا لهذه المسألة في قصة سليمان مع ملكة سبأ ، حين قالت : { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين } [ النمل : 44 ] فأنا وهو مسلمان لله ، ولم تقل : أسلمت لسليمان ، فهناك رب أعلى ، الجميع مُسلِّم له . إذن : فقوْل السَّحَرة لفرعون : { لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا مِنَ البينات والذي فَطَرَنَا } [ طه : 72 ] تعبير دقيق وواعٍ وحكيم لا تلحظ فيه ذاتية موسى إنما تلحظُ البينة التي جاء بها موسى من الله .